ابن ميثم البحراني

311

شرح نهج البلاغة

ذلك السواد لكثرة مائه وشدّة بريقه يخيّل للناظر أنّه ممتزج بخضرة ناضرة . ثمّ وصف الخلط الأبيض عند محلّ سمعه ، وشبّهه في دقّته واستوائه بخطَّ القلم الدقيق ، وفي بياضه بلون الأقحوان . ثمّ أجمل في تعديد الألوان فقال : وقلّ صبغ إلَّا وقد أخذ منه بقسط وعلاه : أي وزاد على الصبغ بكثرة صقاله وبريقه وبصيص ديباجه ، ولفظ الديباج مستعار لريشه . ثمّ رجع إلى تشبيهه بالأزاهير المبثوثة ، ونبّه على كمال قدرة صانعها بأنّها مع ذلك لم تربّها أمطار الربيع : أي لم تعدّها لتلك الألوان أمطار ربيع ولا شموس قيظ لأنّه لمّا خيّل أنّها أزاهير وكان من شأن الأزاهير المختلفة أنّها لا تتكوّن إلَّا في زمن الربيع بإمطاره وحرارة الشمس المعدّة لتنويره أراد أن يبيّن عظمة صانعها بأنّها مع كونها أزاهير خلقها بغير مطر ولا شمس . ثمّ أخبر عن حالة له أخرى هي محلّ الاعتبار في حكمة الصانع وقدرته ، وهو أنّه يتحسّر ويعرى من ذلك الريش الحسن شيئا بعد شيء ، ثمّ ينبت جميعا كلّ ريشه موضع ريشة بلونها الأوّل من غير زيادة أو نقصان حتّى كأنّها هي ، وشبّهه في سقوطه ونباته بتحاتّ أوراق الشجر من الأغصان ونباتها . ثمّ نبّه على وجود حكمة الصانع في الشعرة الواحدة من شعرات ريشه بأنّك إذا تأمّلتها أرتك من شفافيّتها وشدّة بصيصها تارة حمرة كحمرة الورد ، وتارة خضرة كخضرة الزبرجد . وتارة صفرة كصفرة الذهب . ثمّ عقّب ذلك الوصف البليغ باستبعاد وصول الفطن العميقة إلى صفة هذا ، وأراد العجز عن وصف علل هذه الألوان واختلافها واختصاص كلّ من مواضعها بلون غير الآخر ، وعلل هيئاتها وساير ما عدّده فإنّ أقلّ جزء منه ممّا يتحيّر الأوهام في درك علَّته وتقصر الألسن عن وصفه ، ويحتمل أن يريد العجز عن استثبات جزئيّات أوصافه الظاهرة وتشريحه فإنّ ما ذكره عليه السّلام وإن كان في غاية البلاغة إلَّا أنّ فيه وراء ذلك جزئيّات لم يستثبتها الوصف . وهو الأقرب ، ويؤيّده تنزيهه للَّه تعالى باعتبار قهره للعقول عن وصف هذا المخلوق الَّذي جلَّاه وأظهره للعيون فأدركته محدودا ملوّنا ومؤلَّفا مكوّنا وأعجز الألسن عن تلخيص وصفه وتأدية نعته . ثم نزّهه باعتبار أمر آخر وهو إحكامه قوائم الذرّة والهمجة